أنا لا أكتب عن بلدتي "جزيرة تاروت" التي عشت أجمل أيام طفولتي بين بساتينها الخضراء، وشربت من ماء عيونها الطبيعية، وأكلت من شجرها التين والبمبر، واللوز والرمان وغيرها، لكنني أكتب عنها حين أتذكر تلك التفاصيل الصغيرة في أيام الطفولة والصبا التي عشت فيها، وأن يوتوبياي سوف لن تعود يوماً إلى تلك المرابع الجميلة.
أكتب لأن جمال أيام الطفولة لن يعود إلى زقاقي في ذلك الحي الشعبي "الحوامي"، لن يعود إلى صيحة الديك فوق السطوح وبين سعف النخل، لن يعود لأسمع نباح الكلاب والعواوي في الليل الهادي، لن يعود لأسمع صوت حمام النخيل وهي تنادي يا فاته يا بيتي فوق ذرى النخل العالي، لن يعود لأشم رائحة خبز التنور الذي يخبزه الخبازين من بلدتي على كرب وجدع النخل في كل صباح.
هناك من الأصدقاء من يطلبني بأن أكتب عن ماضي بلدتي "جزيرة تاروت"، وهناك من يقول لي ياهذا كفاك هذا التعاطي والادمان على الماضي، وبعضهم من وصفني بالمتشبث به كوني أكتب عن ماضي بلدتي، الذي حينما أرى حاضرها أجد نفسي محاصراً بالدمع والأحزان، فأذهب إلى الماضي كي لا أتخلى عنك يا بلدتي "تاروت"، يا مرتع طفولتي وصباي ويادار الأهل والأصحاب والخلان.
أقول لهم ليعلموا أنني أشعر بالضياع كلما فتشت عن بستان من بساتين بلدتي أو عين من عيونها الفوارة ولم أجدها، وبالخصوص "عين أم عريش" كلما ذهبت الى هناك ولم اعد أشم النسائم ورائحة الورد والريحان منها، ولا اثراً لعيونها الطبيعية ومائها البارد هناك، ولا إلى أشجار اللوز التي كنت أتسلقها كالسنجاب، ولا إلى كر ومنجل الفلاح الذي كان يضعهما على حضار عشته التي يستريح فيها.
وحينما أمرّ بين أزقة الديرة وألمس جدار الطين لبيت جدي الحاج "منصور علي الرويعي" يرحمه الله، لم أسمع صوته حين يناديني تعال يا ولدي، ولا أشم رائحة الهاشمي الذي كانت ترتديه جدتي الحاجة "طيبة حماد" يرحمها الله، حين أجلس جنبها وهي تقرأ القرآن الكريم كل يوم، ولم أرى حب الماء لأشرب منه الماء المخلوط بزهرة الورد المحمدي وماء اللقاح، وعندما أريد الخروج لوحدي تخوفني والدتي "زهراء الرويعي" يرحمها الله، بقولها لي لا تطلع ترى مبارك السيف يرحمه الله يجيك ويضربك ابره إن لم تسمع الكلام.
من ذا الذي يقول بأن أسماء بساتين بلدتي "جزيرة تاروت" التي تحول الكثير منها إلى أراضي سكنية هي نفسها الآن؟ فما عادة خرائط المخططات تذكر عين أم عريش، ولا الصدري والخضاري، ولا زدادان والفسيل، ولا سودة ولا قضبة، ولا عين الصادق ولا سوامة، ولا أم الشجر ولا القواسمي، ولا زيزة والبقعاوي ولا برية مسجد الخضر، ولا الرفيعة ولا مزرعة الكويتي، ولا نخل المصلي ولا نخل الصفار، ولا الوزارة ولا الحليبي، ولا الفلف والدحكاني ولا الجو، ولا الدالية ولا أرض البقل، ولا الكريدية ولا المغيلية، ولا العقير ولا مزارع الشمال، كل ما في الأمر تبدلت الأسماء بأسماء اختلقها سماسرة العقار.
جزيرة تاروت التي تتربع على الخليج العربي ليس مكاناً للسكن فحسب، بل هي ذاكرةٍ حيّة تختزن حكايات الأجداد، وتروي للأجيال قصة الإنسان الذي تجذّر في أرضه فأحبها وأحبته، ففي بحرها حكاية عمرٍ لا ينتهي، وفي بساتينها يتدلى ذرى النخل العالي وبين ظلالها تُزهر أشجار الليمون عطراً يسبق خطى العابرين، وللرمان في مزارعها لوناً يشبه الفرح حين يتدلى من الأغصان، هناك كانت تتعانق الحقول قرب البيوت، وتتصافح نسمات الهواء بأمواج البحر البعيدة، في مشهدٍ تتساوى فيه الطبيعة والتاريخ وكأنهما قصيدة واحدة.
ختاماً: رباه كيف السبيل الى الصبر ونسيان ذلك الجمال الساحر لبساتين النخيل في بلدتي؟، فلقد حاولنا مرارآ بعد أن أخدْنا سحر خلطة النسيان وما نسينا، بل ازددنا تمسكآ بأسماء البساتين والمزارع التي كانت في "جزيرة تاروت"، وبتلك الذكريات التي لم تذكر في خرائط المخططات الحديثة.



